فرانشيسكا ألبانيز.. من طفلة إيطالية استيقظت على صبرا وشاتيلا إلى سيدة تقف في وجه الاحتلال وحلفائه

عربى بوست 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في أحد قاعات كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، وقفت امرأة لا تحمل لقبًا رسميًا كبيرًا، ولا تحيط بها جوقة من الحراس أو المستشارين. لكنها تكلمت بجرأة من يملك الحقيقة، وبألم من شهد الظلم عن قرب. في خطابها الافتتاحي، وضعت فرنشيسكا ألبانيز المأساة الفلسطينية في صميم المشهد العالمي، لا كخبر عابر، بل كمرآة لكل نظام وحشي ولكل شكل من أشكال الاستغلال.

قالت، بصوت لم يرتجف رغم كل شيء: "اسمحوا لي أن أضع وضع الشعب الفلسطيني، كما هو الآن، في أذهاننا مباشرة. في غزة، لمدة 401 يومًا، شاهدنا القصف الإسرائيلي المستمر ونيران المدفعية لا يزال لا يرحم أحدًا ولا شيئًا. أظهرت الحرب وجهها الأكثر وحشية. قصف عشوائي واسع النطاق؛ استخدام أنظمة الاستهداف المختارة بالذكاء الاصطناعي؛ المراقبة المستمرة للطائرات بدون طيار في السماء؛ قناصة آليون يطلقون النار على الناس أثناء تسوقهم في الأسواق، أو جمع المياه، أو طلب المساعدة الطبية، أو حتى أثناء نومهم في الخيام؛ جنود مختبئون في دبابات يهاجمون المدنيين العزل. أجيال كاملة من العائلات، محروقة أحياء، تُركت لتموت موتًا بطيئًا مؤلمًا تحت الأنقاض، مكتظة في منازل تُقصف وتُدمر في لحظة واحدة؛ تحولت المستشفيات ومخيمات اللاجئين الآن إلى مقابر مليئة بالصحفيين والطلاب والأطباء والممرضات والأشخاص ذوي الإعاقة الذين سكنوا هذه الأراضي المدمرة الآن."

لم يكن الخطاب صادرًا عن سياسي يمسك بزمام سلطة، بل من امرأة إيطالية اختارت أن تقف حيث يقف المظلومون، رغم ما يجرّه هذا الموقف من تهديدات وضغوطات. فمن نفس الأرض التي خرج منها وعد بلفور المشؤوم، جاءت ألبانيز لتلقي محاضرة من أجل الفلسطينيين، وكأنها تصوغ وعدًا مضادًا، غير مكتوب، لكنه يقول: لن نصمت.

فرنشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تأت لتجامل، بل لتقول ما يجب أن يُقال. لم تخشَ الاحتلال، ولا ترسانة الإمبراطورية الأميركية التي تدعمه. فمن هي هذه السيدة التي اختارت أن ترفع صوتها في وجه آلة الإبادة، وأن تنحاز — بلا تردد — للحق الفلسطيني؟

منذ أن شن الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة الجماعية على غزة قبل أكثر من عام، لم تكن فرانشيسكا ألبانيز صوتًا بيروقراطيًا مضافًا إلى ضجيج التصريحات الدولية، بل كانت نبرتها واضحة، لا تهادن. فما تقوله إلى اليوم ليس تكرارًا محفوظًا لما يُتلى عادة في المحافل الدولية، بل موقفًا أخلاقيًا متجذرًا في إحساس عميق بالعدالة، إذ يبدو أن فرانشيسكا لا تريد أن تمارس الدبلوماسية كحرفة ناعمة، بل كمسؤولية أخلاقية.

فبصفتها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ أضحت هذه المحامية الإيطالية — القادمة من جنوب إيطاليا، منطقة كامبانيا — كصوت شديد الوضوح وسط الإبادة. لا لوظيفتها الأممية، بل لأنها امتلكت شجاعة الكلمات، وسلاح التسمية. سمّت الإبادة باسمها، ووصفت الاحتلال على حقيقته البشعة، دون أن تلتف على اللغة، أو تختبئ خلف مصطلحات بيروقراطية.

عيّنها مجلس حقوق الإنسان في دورته الـ 49 في مارس 2022، وتسلمت مهامها رسميًا في الأول من مايو/أيار من العام نفسه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ إنشائه عام 1993. لم تكن بداية عادية، وكأن القدر، أحيانًا، يصنع تقاطعات لا يمكن تجاهلها، فجاء تعيين ألبانيز قبل أيام من اغتيال شيرين أبو عاقلة، الصحفية التي دفعت حياتها ثمنًا للحقيقة الكلمة والصورة، وكأن مهمة ألبانيز التي بدأت في نفس الشهر، كُتبت بخيط دم، لترسم طريقًا لا يُشبه غيره، سيقودها إلى مهمتها الأخطر.

فمنذ دخولها المشهد، لم تتعامل ألبانيز مع القضية الفلسطينية كملف حقوقي تقليدي، بل كجريمة كبرى يتواطأ العالم على استمرارها. فتقاريرها الأممية تجاوزت الرصد التقليدي للانتهاكات؛ كانت تشخيصًا سياسيًا وقانونيًا لبنية الاحتلال. رأت في الاحتلال الإسرائيلي فصلًا عنصريًا متكامل الأركان، يقوم على المراقبة الدائمة، والخنق المستمر، وتحويل الأرض إلى ما يشبه سجنًا مفتوحًا "بانوبتيكون" حديث لا يحتاج إلى قضبان مرئية، لأن الكاميرات والدبابات والطائرات المسيّرة تفي بالغرض.

لماذا تقف فرانشيسكا ألبانيز مع الفلسطينيين؟

وُلدت فرانشيسكا ألبانيز عام 1977 في بلدة أريانو إيربينو، بمنطقة كامبانيا جنوب إيطاليا، وسط عائلة مثقفة، مشبعة بالوعي السياسي والاهتمام بالعدالة. نشأت في بيت لا تُقصى فيه القضايا الكبرى عن طاولة النقاش، تقول: "لقد ترعرعت في أسرة نناقش فيها قضايا مثل حق الشعوب في تقرير المصير".

كانت مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 أول صدمة سياسية تتسلل إلى وعيها الطفولي، وتترك أثرًا لا يُمحى. تصفها بأنها الحدث العالمي الأول الذي علِق في ذاكرتها، حيث سمعت لأول مرة عن اللاجئين الفلسطينيين، وعن المذابح التي تُرتكب بعيدًا عن أنظار أوروبا الهادئة. ومنذ تلك اللحظة، تشكّل بداخلها إحساس مبكر بمظلومية الفلسطينيين، وبفكرة اللجوء كجُرح مفتوح، لا ينغلق. كانت تلك البذور كافية لتزرع فيها شغفًا بالشرق الأوسط، وشعورًا داخليًا بالانحياز إلى القضايا العادلة.

فرانشيسكا ألبانيز - رويترز
فرانشيسكا ألبانيز – رويترز

اختارت أن تدرس الحقوق في إيطاليا، من ثم انتقلت إلى لندن لمتابعة الدراسات العليا في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) بجامعة لندن، حيث التقت وجهًا لوجه مع القضية الفلسطينية، لا كمجرد مادة دراسية، بل كقضية محورية يتقاطع فيها القانون مع السياسة، والتاريخ مع الإنسانية. فهناك، لم تكتفِ بالدراسة، بل انخرطت في العمل الطلابي، تدافع عن الحقوق وتشارك في حملات التضامن. لاحقًا، ستصف تلك المرحلة بأنها لحظة مفصلية.

امتدت مسيرتها المهنية على مدى أكثر من عقدين كمحامية وخبيرة قانونية، جمعت خلالها بين العمل الميداني والبحث الأكاديمي. بدأت في أوائل الألفية الجديدة ضمن منظومة الأمم المتحدة، فشغلت مناصب في المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ثم في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي توصفهم لا كـ"لاجئين"، بل كـ"ناجين من النكبة".

خلال تلك السنوات تنقلت بين عدة دول في الشرق الأوسط. عاشت في القدس لمدة ثلاث سنوات​ تعمل ميدانيًا وسط المجتمع الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وهناك، اصطدمت يوميًا بقسوة الاحتلال، إذ تصف فرنشيسكا تلك التجربة بأنها صادمة لجسدها وروحها: "كانت تجربة شديدة الوطأة. جسدي، كغربية نشأت في الأمان، لم يكن معتادًا على هذا العنف المجاني المُذلّ، أشبه بالتنمّر، لم أره من قبل. كنتُ قد زرت مناطق نزاع سابقًا، لكن في فلسطين لم يكن نزاعًا مسلحًا بمقدار ما هو عنف يمارسه أشخاص عاديون يعودون بعدها لحياة طبيعية، نتيجة ثقافة عسكرية شيطنة الفلسطينيين".

شعرت فرنشيسكا هناك بعجز المنظومة الدولية، فدفعتها المشاهد اليومية لبطش الاحتلال والقمع الذي يواجهه الفلسطينيون إلى محاولة فهم جذور المشكلة قانونيًا وتاريخيًا، بحسب فرنشيسكا نفسها. وللبحث عن إجابات، كرّست وقتها لتأليف كتاب "اللاجئون الفلسطينيون في القانون الدولي" (صدر عن مطبعة جامعة أكسفورد) الذي صدر في طبعته الأولى عام 1998 ثم أعادت تحديثه عام 2020​. يُعتبر هذا الكتاب مرجعًا قانونيًا شاملًا يوثق أوضاع اللاجئين الفلسطينيين منذ النكبة حتى العصر الحديث، ويسلط الضوء على التزامات المجتمع الدولي تجاههم.

وأثناء إعداد هذا الكتاب، تواصلت مع خبراء ومسؤولين سابقين في الأمم المتحدة، من بينهم مايكل لينك، المقرر الخاص للأمم المتحدة آنذاك. أعجب بعمق خبرتها، خاصة في تنسيق البرامج الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، وشجّعها على الترشح لخلافته. هناك بدأ المسار الذي سيوصلها إلى أحد أهم المناصب الحقوقية الأممية.

وتملك ألبانيز مسيرة أكاديمية مرموقة، حيث عملت باحثة زائرة في مؤسسات كبرى مثل جامعة جورجتاون، ونشرت أوراقًا علمية تتناول منظومة الاعتقال الإسرائيلية وسياسات الاستيطان وغيرها من الانتهاكات، وقد تميزت كتاباتها بالدقة القانونية مقرونة بوضوح الموقف الأخلاقي. كما شاركت بانتظام كمحاضرة زائرة في جامعات أوروبا والمنطقة العربية لتدريس القانون الدولي وقضايا النزوح القسري​. في عام 2022، بلغت مسيرتها المهنية ذروة جديدة بتوليها منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967.

فرانشيسكا والإبادة في غزة

تقول في أحد حواراتها الصحفية: "لقد أصبحتُ شخصًا مختلفًا منذ بداية عملي. كان هدفي الرئيسي هو المساعدة في تغيير الرواية التي تلاعبت بها وشوّهتها آلة الدعاية الإسرائيلية المُستثمرة بكثافة، والتي تُسوّق نفسها على أنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" و"حصن الحضارة في وجه المتوحشين".

وتضيف، بنبرة من رآى ما لا يمكن إنكاره: "حتى قبل 7 أكتوبر، كانت الأوضاع كارثية. فخلال الأشهر والسنة التي تلت توليّ منصب المقرر الخاص، في مايو/أيار 2022، شهدتُ أكبر عملية إخلاء جماعي للفلسطينيين بموافقة محكمة عليا إسرائيلية في منطقة "مسافر يطا" [وهي منطقة في الضفة الغربية تهدم فيها إسرائيل بانتظام منازل الفلسطينيين وبنيتهم التحتية]، ومقتل [مذيعة الجزيرة] شيرين أبو عاقلة، وضرب مئات المصلين في المسجد الأقصى [في القدس الشرقية، المعروف أيضًا باسم جبل الهيكل] – ناهيك عن الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الجديد الذي دفع بضم الضفة الغربية، مما سرّع من وتيرة المذابح ضد القرى الفلسطينية."

فرانشيسكا ألبانيز - رويترز
فرانشيسكا ألبانيز – رويترز

ومنذ بداية المذبحة في أكتوبر الماضي، لم تتردد ألبانيز في وصف الأمور بوضوح قانوني جريء: أعلنت في تقاريرها الأممية وفي مقابلاتها الصحفية أن هناك أدلة واضحة على أن إسرائيل ترتكب أفعالًا تندرج تحت تعريف الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين​. في تقرير تاريخي قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف أواخر مارس 2024 بعنوان "تشريح إبادة جماعية"، خلصت إلى وجود "أسس معقولة للاعتقاد بأن إسرائيل تجاوزت عتبة اقتراف إبادة جماعية في غزة".

استعرض التقرير بالتفصيل كيف انتهكت القوات الإسرائيلية ثلاثة من الأفعال الخمسة المكوِّنة لجريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 – وهي: قتل أفراد من المجموعة المستهدفة، إلحاق ضرر جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية ترمي إلى تدميرهم ماديًا بالكامل أو جزئيًا​. دعمت ألبانيز تحليلها بأسانيد قانونية وسوابق تاريخية، مستندة إلى فقه المحاكم الدولية بدءًا من محاكمات نورمبرغ وصولًا إلى السوابق القضائية للإبادة في رواندا ويوغوسلافيا​. كما شددت على أن نية التدمير – العنصر الحاسم لثبوت جريمة الإبادة – تتجلى في التصريحات المباشرة الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين تدعو لمحو الفلسطينيين أو طردهم، وفي النمط الواسع للهجمات التي تستهدف المدنيين بشكل منهجي​. بهذا المنهج التحليلي، وضعت ألبانيز المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وتسألت: "إذا لم يكن ما يجري في غزة إبادة جماعية، فماذا يكون إذن؟​"

لم تكتفِ ألبانيز بالتقارير الرسمية؛ بل خاضت حملة تواصل غير مسبوقة لمقرر أممي. فانتهجت أسلوبًا تواصليًا مباشرًا وصريحًا يندر أن يصدر عن دبلوماسيين دوليين. تقول ألبانيز في هذا الصدد: "الناس غير معتادين على رؤية موظفة أممية تتحدث الحقيقة بلغة واضحة وغير دبلوماسية. لكن الحقيقة قد تكون ثورية وغير دبلوماسية عندما تُستخدم الدبلوماسية كستار للجرائم. أنا لا أجمّل كلماتي، لكنني حذرة في اختيارها – في الواقع أبدو محافظة إذا قارنتني بأصوات أخرى في هذا المجال".

وبالفعل، ظهر صوتها الجريء في كل محفل: خاطبت البرلمانات والجامعات ووسائل الإعلام دون مواربة. قامت بجولات محاضرات في عواصم عدة في العالم.

فجعلت من منصب المقرر منبرًا عالميًا لجلب العدالة للفلسطينيين وفضح تواطؤ الدول الكبرى، مؤكدة أن قضية فلسطين "لا يمكن التعامل معها كمسألة إنسانية بل يجب حلها في إطار القانون الدولي.. إن [أفعال الاحتلال] تنتهك حق الشعب الفلسطيني [القانوني] في تقرير المصير. كل ما أسمعه على المستوى الدولي يُذكرني باستمرار بأن الغرب لم يفهم، أو يأخذ، هذا الحق في تقرير المصير على محمل الجد".

فرانشيسكا ضد الاحتلال وحلفاؤها

كان واضحًا منذ اللحظة الأولى أن صوتها لن يمرّ دون ثمن، منذ البداية أن توليها هذا المنصب سيجلب عواصف من الضغوط والانتقادات، خاصة من الأطراف الساعية لإسكات أي صوت ينتصر للفلسطينيين. وبالفعل، ما إن بدأت ولايتها حتى وجدت نفسها في مرمى حملات منظمة من دول غربية وحلفائها الإسرائيليين. كانت أولى الهجمات في ديسمبر 2022، حين نبشت جهات معادية لها تدوينة قديمة لها تعود لعام 2014 إبان حرب غزة، كانت قد كتبت فيها أن "أمريكا خاضعة للّوبي اليهودي". ورغم أنها أوضحت لاحقًا خطأ تعبيرها ذاك موضحة أنها قصدت "اللوبي الإسرائيلي" بالمعنى السياسي​، استغل إعلاميون ودبلوماسيون من الاحتلال وداعميه تلك العبارة لتشويه سمعتها واتهامها بمعاداة السامية​​.

سرعان ما تلقفت حكومات غربية معينة هذه المزاعم كذريعة للضغط على الأمم المتحدة لإقصائها. ففي أواخر 2022، طالب مندوب الاحتلال الإسرائيلي في جنيف رسميًا بإلغاء تعيينها بحجة "انحيازها الجلي ضد الدولة اليهودية"، وروّجت منظمة UN Watch الموالية للاحتلال تقريرًا من 60 صفحة بعنوان "ذئب في ثياب حمل" يزعم أن ألبانيز تروج لـ"معاداة السامية ودعاية جهادية"​. كذلك عملت منظمة مكافحة التشهير (ADL) الأمريكية انتقادات لاذعة لها.

وتصاعدت هذه الضغوط بالتوازي مع تصاعد حدة مواقف ألبانيز نفسها، بلغ سخط الحكومات الغربية التي دعمت الإبادة ذروته إثر تغريدة لها في فبراير 2024 ردّت فيها على تصريحات للرئيس الفرنسي ماكرون وصف فيها طوفان الأقصى بأنه:"أكبر مجزرة معادية للسامية في قرننا".

فرانشيسكا ألبانيز - رويترز
فرانشيسكا ألبانيز – رويترز

كتبت فرانشيسكا يومها بالفرنسية عبر حسابها على منصة إكس: "لا.. ضحايا السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لم يُقتلوا بسبب ديانتهم اليهودية، بل رداً على القمع الإسرائيلي". قامت الدنيا ولم تقعد في أوروبا؛ ندّدت الخارجية الفرنسية بتصريحها​ وأعلن الاحتلال منع دخولها الأراضي المحتلة مستقبلًا​. ورغم أن ألبانيز أوضحت أن كلماتها لا تبرر أي عنف.

ولم تتراجع ألبانيز عن قول الحقيقة، فاتهمت الاحتلال صراحة بارتكاب إبادة جماعية في غزة – ووضعت الأمور في سياقها؛ العنف الذي ترتكبه إسرائيل والمستوطنون الإسرائيليون الذين استولوا على الأراضي الفلسطينية يمتد إلى ما هو أبعد من قطاع غزة، مشيرة إلى تصاعد "حركات التطهير العرقي والعنصرية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية"، وصيّت بإعادة النظر في عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة أو تعليقها إلى أن تتوقف عن انتهاك القوانين الدولية وتنهي الاحتلال.

وهو ما اعتبرته حكومات أمريكا وبعض الأوروبيين "تجاوزاً غير مقبول". بحلول أوائل 2024، كانت ألبانيز تواجه عاصفة من الانتقادات الرسمية؛ فسفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، هاجمتها علناً متهمةً إياها بالانحياز ومعاداة السامية​، ووزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، صرّح أن توصيف ما يحدث في غزة بالإبادة "سابق لأوانه ولا يجوز قبل صدور حكم قضائي دولي"، في تلميح ينتقص من مصداقية تقييماتها القانونية.

بل إن لامي ورغم كونه محامي قبل أن يكون وزير، ذهب أبعد من ذلك، فصرّح في البرلمان أن استخدام مصطلح الإبادة اليوم "يقوّض خطورة هذا المفهوم"، مشيراً إلى أنه استُخدم تاريخياً لحالات قتل الملايين كالهولوكوست ورواندا​. " target="_blank">ردّت ألبانيز بقوة على هذا المنطق المغالط بقولها: "هو مخطئ. أولاً، اتفاقية منع الإبادة الجماعية لم تشترط صدور حكم قضائي لإثبات الإبادة؛ هناك التزام بالمنع والمعاقبة حتى قبل وقوعها. يكفي التحريض على الإبادة ليثير واجب الدول في منعه". وأضافت منتقدة ازدواجية المعايير: "من اللافت أن سياسيين في الغرب يترددون الآن في استخدام مصطلح الإبادة في غزة، بينما لم يتورعوا عن إطلاقه في سياقات أخرى قبل أي حكم قضائي – ألم يصف وزير الخارجية الأمريكي بلينكن ما حدث في السودان بأنه إبادة؟ هل تصبح إبادة فقط حين تلائم مصالحهم؟".

" frameborder="0">

ولم تتوقف حملات التشهير، بل تتوالى، واحدة تلو الأخرى. وصفوها بـ"الداعمة للإرهاب"، و"المعادية للسامية"، و"الذئب في ثياب حمل". وصلت الأمور إلى حد تعليق لافتات ضدها أمام مقر الأمم المتحدة، ومنعها من إلقاء كلمات في جامعات أوروبية، وشنّ هجمات منظمة على وسائل الإعلام، فقط لأنها قالت الحقيقة.

مع استمرارها في فضح الانتهاكات، تحولت ألبانيز نفسها إلى هدف لحملة ترهيب شخصية. تلقّت تهديدات مباشرة من جماعات متطرفة؛ على سبيل المثال، وفي منتصف شهر مارس/آذار 2025، هدد تنظيم صهيوني متطرف يدعى "بيتار" باستهداف ألبانيز بهجوم عبر جهاز اتصال لاسلكي – في إشارة إلى الهجمات الإسرائيلية المميتة والعشوائية في لبنان في سبتمبر/أيلول الماضي – خلال زيارة قامت بها ألبانيز مؤخراً إلى لندن.

ومع اقتراب انتهاء ولايتها هذا الأسبوع، بدأت الضغوط تتكثف لإسكات فرانشيسكا ألبانيز، لا لمخالفتها القواعد، بل لأنها لم تخالف ضميرها. تحركت منظمات ضغط، مثل "يو إن ووتش"، ومعها نواب في الكونغرس الأميركي، ووزارات خارجية أوروبية، نحو هدف واحد: منع تجديد ولايتها. التهمة؟ أنها قالت الحقيقة. أنها سمّت ما يجري في غزة والضفة الغربية كما هو: تطهير عرقي، وإبادة جماعية، ومشروع استعماري ممنهج.

فعلى سبيل المثال، في فرنسا، خرج 42 نائباً برسالة علنية إلى الحكومة، يطالبون برفض إعادة تعيينها. لم يتحدثوا عن خلل في تقاريرها أو انحراف عن المهنية، بل حذروا مما وصفوه بـ"الإشارة المؤسفة" التي قد تصل، على حد تعبيرهم، إلى الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان. وكأن الانحياز للفلسطينيين بات تهمة بحد ذاته، حتى وإن كان مستنداً إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذاتها.

وفي الولايات المتحدة، قاد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، برايان ماست، مطالبات من جانب العديد من أعضاء اللجنة لرئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يورغ لاوبر، برفض إعادة تعيين فرانشيسكا ألبانيز.

وفي هولندا، صرّحت وزيرة الخارجية الهولندية، كايسا أولونغرين، رداً على أسئلة من حزب SGP البروتستانتي الأصولي، بأن البلاد لا تدعم ولاية ثانية لفرانشيسكا ألبانيز، الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في غزة.

لكن ألبانيز لم تتراجع، و في أحدث تقاريرها منذ أسبوعين، كتبت بلا مواربة أن الفلسطينيين يواجهون "خطرًا حقيقياً من الإبادة الجماعية"، واتهمت الاحتلال باستغلال الحرب لتوسيع سيطرته على الأراضي المحتلة. وعندما سُئلت عن صمت الغرب، لم تتردد. قالتها بوضوح جارح: "من المفترض أن الألمان والإيطاليين، بتاريخهم، يكونون أول من يعارض المجازر التي ينفذها نتنياهو. لكن يبدو أن الدرس لم يُفهم. ما نراه الآن تكرار أعمى لما قاد إلى الفاشية، إلى الإبادة، إلى الحروب العالمية. عارٌ على من يصمت."

هكذا تكتب وتتحدث فرانشيسكا ألبانيز عن فلسطين، لا كموظفة أممية تسير وفق المسارات البيروقراطية، بل كإنسانة وشاهدة قررت أن ترفع رأسها وسط الإبادة، وتقول: هذا ليس صراعاً، بل جريمة، وخلل أخلاقي عميق. فهي لم تأتِ لتضيف سطراً إلى سجلات الأمم المتحدة، فبرغم من أن العالم اليوم يحاسب الكلمات بدلاً من الطلقات، اختارت ألبانيز أن تُطلق الحقيقة، لا أن تُخزنها، وتشير إلى القاتل، فهو ليس طرفاً غامضاً، وأن الفلسطينيين شعب له أسماء وأصوات ووجوه، يُدفن كل يوم تحت أنقاض صمت العالم. لذلك، لم يكن غريباً أن تتحوّل هي، لا الجناة، إلى متهمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق